ابن القاصح العذري البغدادي
12
سراج القارئ المبتدي وتذكار المقرئ المنتهي
بل مستندهم فيه النقل الصحيح ، والعذب الحلو ، والسلسل السهل الدخول في الحلق . فمنهم بدور سبعة قد توسّطت * سماء العلى والعدل زهرا وكمّلا أي : فمن تلك الأئمة الناقلين للقرآن سبعة ، جعلهم كالبدور لشهرتهم وانتفاع الناس بهم ، والبدر إذا توسط في السماء وسلم مما يستر نوره وكمل فهو النهاية ، والعلى الرفعة والشرف ، والعدل الحق ، واستعار للعلى وللعدل سماء وجعل هذه البدور متوسطة بها ، وفيه إشارة إلى أن من لم يتوسط هذه السماء ليس من بدور القراء والأزهر المضيء والكامل التام . لها شهب عنها استنارت فنوّرت * سواد الدّجى حتى تفرّق وانجلى الشهب جمع شهاب والشهاب في أصل اللغة اسم للشعلة الساطعة من النار ، ويقال : نار واستنار أي أضاء ، والدجى الظلم جمع دجية وهي هنا كناية عن الجهل وتفرق تقطع وانجلى انكشف ، أي للقراء السبعة رواة أشبهت الشهب في العلو والاشتهار والهداية أخذت القراءة عنهم وعلمتها الناس حافظين سبلها ، فأماطت عنهم ظلمة الجهل وألبستهم أنوار العلم . وسوف تراهم واحدا بعد واحد * مع اثنين من أصحابه متمثّلا أي ترى البدور مذكورين في هذه القصيدة على هذه الصفة ، أي مرتبين واحدا بعد واحد ، فكأنه نزل ظهورهم في النظم سماعا أو كتابة منزلة المتشخص من الأجسام ، والأصحاب الأتباع كما تقول : أصحاب الشافعي وأصحاب مالك . قوله متمثلا أي متشخصا ، من قولهم تمثل بين يديه . تخيّرهم نقّادهم كلّ بارع * وليس على قرآنه متأكّلا تخيرهم بمعنى اختارهم ، والنقاد جمع ناقد ، والبارع الذي فاق أضرابه ، والهاء في تخيرهم ونقادهم للبدور السبعة أو للشهب أولهما ، أثنى عليهم بالبراعة في العلم ثم أثنى عليهم بالزهد فقال : وليس على قرآنه متأكلا أي بارع غير متأكل بقراءته ، يعني أنهم كانوا لا يجعلون القرآن سببا للأكل أشار إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تأكلوا بالقرآن » . فأمّا الكريم السّرّ في الطّيب نافع * فذاك الّذي اختار المدينة منزلا شرع في ذكر البدور السبعة واحدا بعد واحد فبدأ بنافع ، وهو نافع بن أبي نعيم مولى جعونة ويكنى أبا رويم ، وقيل غير ذلك ، وأصله من أصبهان أسود ، كان إمام دار الهجرة وعاش عمرا طويلا قرأ على سبعين من التابعين ، منهم يزيد بن القعقاع ، وشيبة بن نصاح ، وعبد الرحمن بن هرمز . وقرءوا على عبد اللّه بن عباس ، على أبيّ بن كعب ، على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .